ابن قيم الجوزية
26
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
المثل الأول : رجل خرج من بيته إلى الصلاة ، لا يريد غيرها . فعرض له في طريقه شيطان من شياطين الإنس ، فألقى عليه كلاما يؤذيه . فوقف ورد عليه ، وتماسكا . فربما كان شيطان الإنس أقوى منه ، فقهره ، ومنعه عن الوصول إلى المسجد ، حتى فاتته الصلاة . وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس ، ولكن اشتغل بمهاوشته عن الصف الأول ، وكمال إدراك الجماعة . فإن التفت إليه أطمعه في نفسه . وربما فترت عزيمته . فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجمز « 1 » بقدر التفاته أو أكثر ، فإن أعرض عنه واشتغل بما هو بصدده ، وخاف فوت الصلاة أو الوقت : لم يبلغ عدوه منه ما شاء . المثل الثاني : الظبي أشد سعيا من الكلب ، ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف سعيه ، فيدركه الكلب فيأخذه . والقصد : أن في ذكر هذا الرفيق : ما يزيل وحشة التفرد ، ويحث على السير والتشمير للحاق بهم . وهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت « اللهم اهدني فيمن هديت » أي أدخلني في هذه الزمرة ، واجعلني رفيقا لهم ومعهم . والفائدة الثانية : أنه توسل إلى اللّه بنعمه وإحسانه إلى من أنعم عليه بالهداية أي قد أنعمت بالهداية على من هديت ، وكان ذلك نعمة منك . فاجعل لي نصيبا من هذه النعمة ، واجعلني واحدا من هؤلاء المنعم عليهم . فهو توسل إلى اللّه بإحسانه . والفائدة الثالثة : كما يقول السائل للكريم : تصدق عليّ في جملة من تصدقت عليهم ، وعلمني في جملة من علمته . وأحسن إلي في جملة من شملته بإحسانك .
--> ( 1 ) جمز الإنسان والبعير وغيره يجمز جمزا وجمزي وهو عدو دون الحضر وفوق العنيد ، وبعير جماز وناقة جمازة . يقال : حمار جمّاز : وثاب ، وجمزي : سريع .